القرطبي
300
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
ثم عصمه الله من ذلك ، وأنزل الله تعالى هذه الآية . ومعنى ( ليفتنونك ) أي يزيلونك . يقال : فتنت الرجل عن رأيه إذا أزلته عما كان عليه ، قاله الهروي . وقيل يصرفونك ، والمعنى واحد . ( عن الذي أوحينا إليك ) أي حكم القرآن ، لان في إعطائهم ما سألوه مخالفة لحكم القرآن . ( لتفتري علينا غيره ) أي لتختلق علينا غير ما أوحينا إليك ، وهو قول ثقيف : وحرم وادينا كما حرمت مكة ، شجرها وطيرها ووحشها ، فإن سألتك العرب لم خصصتهم فقل الله أمرني بذلك حتى يكون عذرا لك . ( وإذا لاتخذوك خليلا ) أي لو فعلت ما أرادوا لاتخذوك خليلا ، أي والوك وصافوك ، مأخوذ من النخلة ( بالضم ) وهي الصداقة لممايلته لهم . وقيل : " لاتخذوك خليلا " أي فقيرا . مأخوذ من الخلة ( بفتح الخاء ) وهي الفقر لحاجته إليهم . قوله تعالى : ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا ( 74 ) إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا ( 75 ) قوله تعالى : ( ولولا أن ثبتناك ) أي على الحق وعصمناك من موافقتهم . ( لقد كدت تركن إليهم ) أي تميل . ( شيئا قليلا ) أي ركونا قليلا . قال قتادة : لما نزلت هذه الآية قال عليه السلام : " اللهم لا تكلني نفسي طرفة عين " . وقيل : ظاهر الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وباطنه إخبار عن ثقيف . والمعنى : وإن كادوا ليركنونك ، أي كادوا يخبرون عنك بأنك ملت إلى قولهم ، فنسب فعلهم إليه مجازا واتساعا ، كما تقول لرجل : كدت تقتل نفسك ، أي كاد الناس يقتلونك بسبب ما فعلت ، ذكره المهدوي . وقيل ما كان منه هم بالركون إليهم ، بل المعنى : ولولا فضل الله عليك لكان منك ميل إلى موافقتهم ، ولكن تم فضل الله عليك فلم تفعل ، ذكره القشيري . وقال ابن عباس : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم معصوما ، ولكن هذا تعريف للأمة لئلا يركن أحد منهم إلى المشركين في شئ من أحكام الله تعالى وشرائعه .